فهرس الموضوع
سلامة المرور
سلامة كبار السن على الطرق: السائق والمشاة
حين يصبح الطريق امتحاناً للأجساد التي أنهكتها السنون، نتوقف لنتساءل: هل بنينا مدننا لتخدم الجميع، أم أننا نسينا من شاخوا فيها؟
في الساعة الثامنة صباحاً، حين يتدفق الزحام ويتسابق السائقون نحو وجهاتهم، يقف أبو محمد على حافة الرصيف بخطوته الحذرة ونظارته الثقيلة، يُحدّق في الطريق الذي يبدو في عينيه أكثر اتساعاً وأشد ضجيجاً مما كان عليه حين كان شاباً. ليس الأمر جبناً، ولا ضعفاً — بل هو تراكم السنين التي تعيد رسم العلاقة بين الإنسان والفضاء من حوله.
كبار السن ليسوا ضيوفاً على الطريق؛ فهم من شقّوا معظمه ودفعوا ضرائبه وعبروا حواجزه عقوداً. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن الطريق نفسه لم يتكيّف معهم حين اثقلتهم السنون، بل ظل يجري بالإيقاع ذاته — سريعاً، صاخباً، عديم الرحمة.
المسافة بين الرصيف والحياة أحياناً لا تُقاس بالأمتار، بل بثوانٍ لا يملكها من ثقل عليه المشي.
حين يمسك المسنّ بالمقود
ثمة حكمة شعبية تقول إن الأكثر خبرة هو الأكثر أماناً على الطريق. وهذا صحيح إلى حدٍّ ما، فالسائق الذي قضى أربعين عاماً خلف المقود اكتسب حكمة حركية لا يتعلمها الشباب في بضعة دروس. لكن الجسد لا يتوقف عن التغيّر، وما يتراجع ببطء خفيّ: وقت الاستجابة يطول، الرؤية الليلية تضعف، وصعوبة الالتفات ناحية الكتف تصبح أكثر وضوحاً حين تستدعي الضرورة.
لا يعني هذا سلب مفتاح السيارة من يد الجد أو الجدة — فالاستقلالية في التنقل ليست رفاهية، بل هي صميم الكرامة الإنسانية. الحل يكمن في التكيّف الذكي: مرايا موسّعة، أحزمة أمان قابلة للتعديل، أجهزة تنبيه من الاصطدام، وفحوصات دورية للبصر والسمع والاستجابة — لا بوصفها إذلالاً، بل صوناً لحق الحركة الذي اكتسبوه بسنوات الخبرة.
المشاة الكبار: حين يصبح الرصيف ملجأً ثميناً
أشد ما يواجهه كبار السن كمشاة ليس الإهمال، بل الإيقاع. إشارة المرور التي تمنح ثلاثين ثانية للعبور لم تُحسب على أساس قدم تؤلمها الركبة أو يد تتكئ على عكاز. والرصيف المرتفع الذي لا مُنحدر فيه لكرسيٍّ متحرك يحكي عن مدينة صُمِّمت لمن هم في عجلة من أمرهم.
في المقابل، ثمة مسؤولية على السائقين أنفسهم — وهي مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قانونية. الإبطاء حين يظهر مسنّ قرب تقاطع، منح الأولوية دون انتظار إشارة قانونية، وترك مساحة كافية عند الانعطاف — كل هذه الأفعال الصغيرة تصنع فارقاً حقيقياً في حياة إنسان كان يوماً ما هو ذاته يقود السيارات ويملأ الطرق بحيويته.
ما يمكن فعله الآن
السلامة الحقيقية لا تُبنى على اللافتات التحذيرية وحدها. تبدأ من تصميم بيئة حضرية تحترم الإيقاعات المختلفة للبشر — منحدرات خفيفة عند الأرصفة، مقاطع عبور مضاءة وواسعة، وأزرار تمديد وقت الإشارة للمحتاجين. وتمتد إلى ثقافة قيادة تُعلّم الأجيال الجديدة أن بطء المسنّ على الطريق ليس إزعاجاً، بل هو تذكير بأن الطريق لم يُخلق للسرعة وحدها.
أبو محمد لا يزال يقف على حافة الرصيف. وفي كل يوم ينتظر فيه فجوة في السيارات المتسارعة ليعبر، فهو يسألنا سؤالاً صامتاً: هل صنعنا طرقاً للحياة، أم للمركبات فحسب؟ الجواب في أيدينا جميعاً — سائقين ومشاة ومصمّمين ومخططين.